"العقم في المزارع...والموت في الشوارع"

  • الكاتب سيماء المزوغي
  • 08 نوفمبر 09:06
  • 640


انهزمت العديد من المعابد، أمام العلم والعقل، وستنهزم المعابد الأخرى مادامت تحاصر العلم وتحتوي العقل في قوالبها.. مادامت تسبح في الخيال.. يوسف الصديق الفيلسوف وعالم الانتروبولوجيا كان صريحا عندما دعا إلى تنقية الفضاء العام من المسألة الدينية، وكان عارفا أن التاريخ لا يعود إلى الوراء حتى وإن سادته عصور مظلمة في بعض ثناياه..

تحدّث يوسف الصديق ولم يأبه بالعوام الذين دأبوا على شيطنة خيرة مثقفي تونس، هؤلاء الذين لا يستطيع المتعصبون محاجتهم إلا عندما يرتقون درجات العلم والبحث، الصديق واحد من مثقفي تونس الذين هم بصدد تفكيك أورام الجهل وما ينتج عنه من تخلف، من خلال تبسيط المفاهيم..بل من خلال اختصار المسافات بالعبارات الصريحة التي يجب أن تقال..

ربما علينا أن نترك الالة الدينية بعيدا عن شؤوننا الدنيوية، لأن هذه الآلة العتيقة، ماضية في وشمنا بألوانها وأشكالها، وفي النهاية لون واحد أحد.. آلة ماضية في وشمنا بالترهيب والترغيب، من يرفض وشمها تعتبره شاذا كافرا زنديقا، ومن يحاول حرق هذا الوشم حتى من على جسمه يعتبر بلا «أخلاق»..من يفكّر في حقيقته أو مناقشا أو محاورا أو متمردا تلاحقه الآلة لإقناعه بوضع الوشم.. وإلا إقامة الحد عليه.. آلة يُستمدّ منها «التوكيل الإلاهي».. من يتحدّث بإسم الإله، ومن ينطق باسمه.. مع أن التاريخ الإنساني أثبت أن لا حقيقة مطلقة غير ضعف الإنسان ووهنه أمام جبروت وطغيان الكون.. وحتى أرضه التي هو "خليفتها" هي مجرّد نقطة زرقاء باهتة جدا في رحاب كون عملاق يستهزأ من جهلنا وضعفنا ومحدوديتنا وجنون عظمتنا..
آلة جعلتنا نعيش في وهم جماعي، أنسانا قضايانا الحقة، آلة تعاظمت حتى أصبحت واقعا معاشا، آلة صارت عدوا أمام التقدم، لأن أخطر الأعداء على الإطلاق ذلك الذي يرانا ولا نراه، ذلك الذي نجعله يتقاسم معنا حاضرنا ومستقبلنا، ذلك الذي نصنعه حتى يجعلنا آلاته وأدواته..

علينا أن نختار متسامحين لا متعصبين بين شريعة تُنطق بألسنة الرجال، أو قانون وضعي يحترم إنسانية الإنسان، يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، قانون يتقدّم من خلال مسار تواصلي ولا يرجع إلى الوراء أبدا حتى وإن تعثّرت مفاصله..


نذكر إجابة المفكر العربي محمد أركون عندما سئل «لماذا تخلَّفت الدول العربية عن الدول الغربية؟» أجاب:«لأنَّ ممارسة العقل انحسرت في الدول العربية بينما ازدهرت آفاق الفكر الأوروبي في الدول الأوروبية..

لا نستغرب هذه الحملة المتعصبة ضد رأي يوسف الصديق، هذه الحملة التي تدفع إلى اضطهاد الفكر وترويع الأحرار المستنيرين لأنّهم جاهروا برأي مختلف أو بفكرة جديدة.. مازال الطريق طويلا أما تحرير الفكر.. مازال الطريق طويلا لتعبيده أمام حارقي الكتب وملجمي الأفكار، مازال الطريق طويلا لتكوين رصيد يمكن أن يستغني عن صكوك التخلّف..

مازال الصراع طويلا مريرا.. لم يحسم في هذه الأوطان بعد، ولا نعرف هل ستبقى الأفكار المستنيرة مصدرا من مصادر الدفع نحو المعرفة في سماء هذه الأوطان أم هل ستُغطى برماد الكتب المحروقة ونعيش دهورا أخرى في الظلام والسكون؟ مرددين دائما ما قاله الشاعر العراقي بدر شاكر السياب:« العقم في المزارع.. والموت في الشوارع.. وكل ما نحبه يموت»..



أخبار متعلقة