في موكب توديعك إلى مثواك الأخير في مقبرة رادس قبل عام، جاؤوك صفا صفا.. وحّدهم رحيلك، وجمعتهم الجنازة.أولئك هم أهل السياسة في هذا الوطن يا ميّة لا توحدهم إلا الجنائز، ولا تحتويهم إلا المقابر..

مازالوا متفرقين مشتتين، أغلبهم مبعثرين، فيهم من يعتبر أن القيم ثانوية يا ميّة، وفيهم من يعتبر أن القيم تتجزأ، وفيهم من يعتبر أن القيم تصلح لزمان دون غيره ومكان دون آخر..

مازلنا نتحسس مشروعا مجتمعيا يأخذ من كل شيء بطرف نحو التحديث، نحو ترسيخ قيم المواطنة، نحو توطين قيم الجمهورية.. مازلنا نبحث عن مشروع مواطني يعلي قيمة العمل .. مازل الكثير منا لا يؤمن بقيمة العمل ولا يدرك أنه وحده يبني الأوطان..

احتدمت المعارك بيننا يا ميّة، كأن معاركنا صارت معركة حياة أو موت، تطاحن وتدافع وتهافت.. معارك لا تنتهي وليست بحجم الوطن.

أما المعركة الحقة، معركة الحقوق الفردية فتلاشت في زحام الفوضى، قليلون أولئك الذين يدافعون عنها حقا وقلة أولئك الذين يؤمنون بها.. ضاع مشروع المساواة في الميراث إلى أجل غير مسمى، ومازلت مسألة الحريات الفردية نقطة استفهام كبرى..
الواقع التونسي يا ميّة مازال متحركا، لا استقرار فيه مطلقا.. مازال صف أهل الوسط ومدّعي الحداثة غير مترابط، لا بنيان فيه ولا لُحمة.. ما إن خرجوا من جنازتك حتى عادوا إلى صراعاتهم وألعابهم السياسية..

تناسوا يا ميّة أن أكبر خطر يهددنا هو محاصرة الاجتهاد والتحديث والانفتاح وحشره في دائرة الصراعات الخاوية ومعارك إضعاف الدولة..
إلى حد الآن يا مية لا أحد استطاع فك أحجية الحقوق والحريات الفردية، مع أن المواطنة هي الحريات العامة وأيضا تلك الحريات الفردية..
تناسوا يا مية أن الإيمان بأركان الجمهورية هو إيمان بعلوية القانون أو لا يكون، فبعد كل ذلك الذي مررنا به من تحديات ثمنها كان دم أبناء وجند الوطن، إلا أن أقنعة النفاق والشعبوية وسياط التخوين ومعارك كسر العظام هي موضة العصر..
لم نستطع لجم مفردات النفاق الاجتماعي يا ميّة، وهاهو المعجم السياسي لا ينطق إلا بتضخّم الأنا ودحر الآخر.. لا ميثاق لهذه الأخلاق السياسية ولا عهد غير القدح والشتم وهتك الأعراض..
مازلنا نتساءل يا ميّة متى نقاوم غرورنا وتضخم أنواتنا وننسى صراعاتنا السياسية ونتحد حول حقوق الوطن علينا؟ مازلنا لم نفهم يا ميّة أن الحرية هي نتاج النظام، وأن المواطنة المتساوية هي لبنة جوهرية من لبنات النظام والسلم الاجتماعي والنفسي وحتى الإستراتيجي.. مازالت يا مية مسيرة احترام إنسانية الانسان وكرامته طويلة، كما تركتنا مازلنا..