بينما كان يضغط بأسنانه على سيجارته ويلعب بهاتفه كاندي كراش، دخل عليه أمير الوافدين الجدد قائلا: سيدي الرئيس! هكذا تناديه حاشيته.. يسمعها صباحا مساء ويوم الأحد.. سيدي الرئيس إنك الأحسن، إنك الأفضل، هنيئا لتونس برجل مثلك، سيدي الرئيس إنك الأقدر على قيادة حزبنا، الكلمة كلمتك والرأي رأيك.. سيدي الرئيس هم لا يحبونك لأنك الأفضل.

سيدي الرئيس إنهم يغارون منك ويحسدونك.. هل تُحرم تونس من مقتدر مثلك لأنهم ابتدعوا توصيف التوريث الديموقراطي؟ يريدون إقصاءك سيدي الرئيس لأنك ابن الرئيس، أيعقل هذا؟ أنظر إلى نفسك سيدي الرئيس كيف تجمّع القلوب، كيف تبتعد عن القيل والقال، كيف تشغل نفسك بالقضايا المهمة وتترك التفاهات لأهل التفاهة..كيف تتشاور مع أهل المشورة وأصحاب الرأي.. كيف تُنصت جيدا وتنتبه بكل جوارحك إلى أحاديث أحبابك، حتى أنك من فرط انصاتك لأصحابك تأبى أن تتكلم في المنابر الإعلامية وتبجّلهم على نفسك.. لسانك يأكله القط خجلا وحياء.. حاشى أن يتهمك الأعداء أنك لا تحسن الكلام ولا الحديث ولا حتى الكتابة، وأنك اكتريت لسانا تتحدث به وقلما تكتب به.

لم أشاهدك ولو لمرة تقتنص هذا على فايسبوك وهذه على انستغرام، لم أشاهدك تشتكي لوالدتك عن أفعالهم، لم أشاهدك تهددهم بالإنتحار والتخلص من نكد الحياة، لم أشاهدك تشكو غريمك لوالدك .. لم أعرفك يوما تدفع بـ"رجالك" للمناصب .. ولَم ولَم ولن زمغشرية .. عفوا سيدي الرئيس ما أقبح كلامهم. كنت مناضلا شرسا مستبسلا في الدفاع عن تونس من أيام الجمر.. ظلموك لأنهم أقصوك من أن تكون نائب شعب، ظلموك لأنهم أقصوك من أن تكون من المؤسسين للحزب، وتركوك وحيدا في المقاهي تتجرّع قهوتك بمرارة وتنتظر اجتماعاتهم حتى تكتمل، وكنت صبورا كاظم الغيظ ولَم تبال، بل كنت تعدّ العدة كي يشتدّ عودهم فرحت تحادث رجل الأعمال هذا وسيدة الأعمال تلك حتى يساهموا في دفع الحزب.

لكنهم رعاع نسبوا إليك الشجع والطمع .. سيدي الرئيس، أينما نولي وجوهنا نجدك، يتحدثون عن الإقتصاد فتبهرهم بفطنتك وبفهمك لأعتى النظريات الإقتصادية، تتصفح مشروع قانون المالية فتلامس إعوجاعه بكل حكمة ثم تطرح البديل المنطقي الذي ينتصر للطبقة الكادحة والمهمشين الفقراء لأنك نصيرهم وحاميهم وسندهم.. يتحدثون عن الحريات الفردية فتسارع في الدفاع عنها لا لأنك تؤمن بها فحسب بل لأن قضايا العدل ترعرعت داخلك.

أنسيت أنك لم تفوت ولو مناسبة لم تتحدث فيها عن هذه القضايا الجوهرية؟ في كل مجال تكون كالأسد تزأر علما، في فهمك للإدارة لتربية، للثقافة، لديبلوماسية .. كلما تنطق إلا وتقعد الدنيا وتشغل الناس.. سيدي الرئيس فرحت عندما أصبح والدك رئيسا وقتها لكنك تألمت لأنك عرفت نواياهم، عرفت جشعهم.. أدركت أنهم سيحرمونك من كل شيء لأنهم يتعللون بالتوريث الديمقراطي، يتعللون بالعائلة ويذكرون التونسيين بما فعلته عائلة بن علي حتى يؤثرون على شعبيتك، متناسين أنك أنت الشعب وأنت ابن الرئيس..

يريدون تأليب الجميع ضدك لأنك وقفت ضد الفشل والعجز، لأنك اقترحت وناديت ونبّهت .. لأنك ناديت بمنوال اقتصادي جديد، بسياسية محكمة شاملة تنهض بالبلاد والعباد .. يريدون تأليب الناس ضدك لأنك انتصرت للوطن، لأنك لم تشخصن المعارك السياسية، لأنك دفعت بالكفاءات على حساب الولاءات.. يريدون تأليب الشعب ضدك لأنك كنت من الشعب وللشعب ..

سيدي الرئيس بأي وصف أصفك؟ لا وصف يقدّرك.. اتركهم على طغيانهم سيسجل التاريخ أنك زعيم مظلوم رميت مصالحك الشخصية عرض الحائط وجازفت براحتك وعائلتك لأجل الوطن.. سيسجل التاريخ أنك نأيت بنفسك وبالحزب عن صراعاتهم الضيقة وعن لوبياتهم القذرة وعن مالهم الفاسد وعلاقاتهم المريبة.. سيسجل التاريخ أنك الرئيس منقذ البلاد من المهازل والمغابن..