لمن يقلل من خطورة ما نشرته إحدى القنوات التونسية الخاصة حول ترهيب رجل وإمرأة من قبل قوات الأمن ومصور تلفزي، دون أي داعٍ أو سبب مقنع.. وإذلالهم معنويا وأمام الكاميرا لأنهما يقفان بجانب بعضهما البعض ليلا.. تم اصطيادها كانهما غنيمة من غنائم "الفتوحات"، هذا "الإنزال" الهوليودي حاول أن يقنعنا أن "الشيطان" رفيقهما، وأن القانون يرفض أو يرتعب من وجود رجل وإمرأة ليلا معا.. وأن هذا المشهد على بساطته مرفوض، ترفضه طبعا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هيئة مازلت تحلق فوق مجتمع تتجاذبه القوى الماضوية.. التي لن تهنأ حتى تترك العقل الإنساني كتلة من الشحم والغرائز والإنفعالات..
هيئة أو جماعة تريد أن تطوّق الفرد وتحاصره بقبضة من حديد في كل زواية من زوايا المحافظين والسلفيين والرجعيين وحتى من يسمون أنفسهم بـ "التقدميين"..
في هذا الواقع الذي يمر به أغلب التونسيين، في هذا الصراع اليومي الذي تؤرقنا فيه الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والمناورات السياسية.. في ضَل الوجع العام الذي تسرّب للخاص.. نتغافل عن هذا المشهد الذي أشرنا إليه في اول الحديث.. وتعتبر مسألة الحريات العامة وخاصة الفردية مسألة ثانوية بل مسألة تخص "المرفّهين"، تخص فئة من المجتمع ولا تخص أبناءه من "الكادحين" الباحثين عن قوتهم وعن حقهم في لقمة العيش..

مازلنا نضع الحقوق الفردية تحت غطاء الهيمنة الثقافية الامبريالية..
وهنا نسأل ونتساءل هل هنالك من يؤمن قولا وفعلا بمبادئ الجمهورية وبعلوية القانون.. فالحرية في النهاية ليست إلا حقك في أن تكون مختلفا..؟
الحرية لا تكون حرية إلا بحرية الضمير وحرية الجسد..وبالمساواة التامة.. لقد آن الأوان أن ننزع أقنعة النفاق، أن نتصرف كبشر راشدين لا كأوصياء على البشر، أن نتصالح مع المختلفين، أن نلجم مفردات النفاق الاجتماعي إلى الأبد.. فالحقوق الفردية لا يصدح بها إلا الشجعان..
إن حرية الجسد لا تعني أساسا الحرية الجنسية فقط، إنما تعني أساسا حرية الفرد في جسده.. ومن هذا المنطلق ظلّ الجسد رهينا للأحكام الأخلاقية، وللعقوبات المعنوية والمادية، فالجماعة ومن ورائها القوانين العالقة تطمس تلك العلاقات بين الراشدين وتحاكمها..

علينا أن نذّكر بتقرير لجنة تقرير الحريات الفردية الذي يجيب عن العديد من الأسئلة ويرتّب حدود الحريات الجنسية بما فيها العلاقات المثلية، وحتى العلاقات خارج إطار الزواج مادامت علاقات راشدة.. فلا مجال لمحاكمة الفرد لاختياراته الجنسية وقتل جسده معنويا ومجتمعيا و"أخلاقيا".. وتبقى مهمة الحرية هي أن تجعلنا نتحرر مع ومن أنفسنا أولا..
إن التقرير النهائي للجنة الحريّات الفرديّة والمساواة وضع النقاط على تلك الحروف التي تركتها بعض فصول الدستور عارية من الحسم في صياغة لغوية مبهمة متضاربة تأخذ من كل شيء بطرف، تُرضي هذا وذاك وتنفتح على كل التناقضات الممكنة، إن التقرير النهائي أجاب قطعيا عن التأويلات التي وردت في: "الدولة راعية للدين ، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية ، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي .تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها ،كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها».
هنالك من انسلخ عن الدين الإسلامي عن قرار يعود لهم واعتنقوا ديانات أخرى وهنالك من لا يؤمن بأي دين أو معتقد مهما كان وصفه أو توصيفه أو نعته أو منعوتة.. فما يتبعه الناس لا حصر له من ملل أو نحل.. هذا التقرير حسم وانحاز لخيار حضاري استراتيجي هو ضمان حرية المعتقد والضمير دون خوف أو رعب من جماعة "موش وقتو" وكل الجماعات الأخرى وضرب بمقولة لا يجوع الذئب ولا يشتكي الراعي عرض الحائط..
كما قيل فإن الحرية هي نتاج النظام، هذا التقرير لبنة أولى من لبنات النظام والسلم الاجتماعي والنفسي وحتى الإستراتيجي، وكما أنّ ثمن الحرية هو اليقظة الدائمة، فلا بدّ لنا أن لا ننام أمام حقوقنا الكونية.