طالما بشرونا بثقافة جديدة على تونس، هذه الدولة التي تصارع كي تكون مدنية..
لن نتحدث اليوم عن محاولاتهم لأسلمة الاقتصاد، عن محاولاتهم لاختراق الإدارة التونسية، والمؤسستين الأمنية والعسكرية، لن نتحدّث عن سعيهم لتقسيم المجتمع التونسي وتفتيت وحدته ومحو الفرد من خلال مشروعهم العقدي الساعي إلى بناء دولة تيوقراطية تُعلى فيها الشريعة ويكون مرشدهم ربا أعلى..
لن نتحدث اليوم عن التقية، وعن سياسة المسايرة تطبيعا مع "الدولة" حتى يخرجوا إلى برّ الأمان- مشروع الحريات الفردية والمساواة الذي صوتوا ضده بالإجماع كشف انغلاقهم وتحجّرهم، هذا المشروع الذي يقطع شعرة معاوية مع أذيال الشريعة التي مازالت تتخبّط في بعض تفاصيل القوانين وفصول الدستور- ..
اليوم سنذّكر الناس بصفة مقتضبة بملامح التنظيم السري للحركة الإسلامية أو جهازها الخاص، الخاص جدا..
تاريخيا بدأت فكرة التنظيم الخاص عند الحركات الإسلامية لإعداد تنظيم شبه عسكري من الشباب المتحمّس لدينه، المبشر بثقافة جديدة، فكرة صدحت بها حركة الإخوان المسلمين، حركة حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي وهو مؤسس حركة الإخوان المسلمين سنة 1928 في مصر والمرشد الأول لهذه الحركة..
بدأت تتجلى ملامح هذه الفكرة سنة 1948 حيث بدأ الاخوان بإعداد جيل من الشباب "المجاهد"، بمثابة التنظيم شبه العسكري، لتحرير فلسطين من الوجود اليهودي لأن دولة إسرائيل لم تتكوّن وقتها،..
الحكومة المصرية وقتها كشفت التنظيم فحلت جماعة الاخوان سنة 1948 وكرد فعل من هؤلاء اغتالوا رئيس الوزراء المصري وقتها ، وبعد ذلك تسارعت الأحداث
ليُغتال حسن البنا..بعد ثورة 57 19 في مصر ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر أعدمت العديد من القيادات الاخوانية..
ولتتواصل رحلة التجذر في التربة المصرية ليظهر سيد قطب في الصورة .. المرشد الجديد صاحب المشروع الجديد والمنظّر الجديد الذي اعدم فيما بعد..

اما في تونس كانت المجموعة الأمنية أو التنظيم شبه العسكري لحركة الاتجاه الإسلامي تحظّر لانقلاب ضد بورقيبة أفشله بن علي قبل يوم من حدوثه حسب العديد من الشاهدات التاريخية ..
وعلى رأس هذه الشهادات شهادة القائد السياسي لهذا التنظيم المنصف بن سالم غير أن حركة النهضة الإسلامية أنكرت ما تقدّم وما تأخر من اتهامها بتكوين تنظيم عسكري ..
عاشت تونس بعد ذلك موجات من العنف في تفجيرات سوسة والمنستير وأحداث باب سويقة ورمي الناس بالماء فرق، وقيل بعد ذلك إنها ممارسات معزولة..
ملامح هذا الجهاز ووحشيته رأيناه في شباب يبشر بثقافة جديدة، شباب يدافع عن الثورة في روابط .. يعنّف المتظاهرين ويسحقهم في الشوارع، ويهشّم ممتلكاتهم ويحرق سياراتهم.. رأيناه امام مبنى الاتحاد العام التونسي للشغل يهاجم النقابيين بالهراوات والسيوف والأحجار.. رأيناه يعربد في الشوارع ويتهدد ويتوعد .. رأيناه في سنوات حكم الترويكا بلباس مدني يعزز صفوف رجال الأمن في التصدي للمتظاهرين بل وفِي الاعتداء عليهم، لينكر الأمن بعد ذلك صلة هؤلاء بوزارة الداخلية ..
رأيناهم في جماعة أنصار الشريعة، التي صنّفت بعد ذلك تصنيفا ارهابيا .. الجماعة التي كانت ترتع وترهّب.. امام الجميع دون رقيب أو حسيب .. الجماعة التي كانت تدعو للجهاد في ارض الشام .. الجماعة التي احتلت الشارع بالترهيب والبلطجة بخيامهم الدعوية..
أهين المثقف، كُفّر ، هدد، استباح دمه.. تهديدات بالقتل تطال هذا وترهيب يطال ذلك.. استشهد جنودنا .. حرسنا.. استشهد مواطنون عزل .. أرادوا إقامة إمارة في بن قردان.. ومن قبلها في سجنان .. ونزلوا بثقلهم وبعتادهم..
سنوات من الجمر عاشها التونسيون خصوصا عندما اغتيل الشهيدين شكري بالعيد ومحمد البراهمي .. سنوات من الحيرة والصدمة.. أخيرا نتساءل هل يتبع هذا الجهاز حركة النهضة فعلا؟
النهضة أنكرت ما تقدم وما تأخر بشأن التنظيم السري .. وتبرأت من العنف ورفضته في العديد من الأحيان قولا على الأقل.. ولكن نعتقد أنّ الحقيقة لا بدّ أن تصدح يوما ما..