حديثنا هذا بعيد كل البعد عن السياسة، وقريب كل القرب من الإنسان.. كأن التونسي اليوم في حالة دفاع دائم عن خطر يتهدّده، في حالة تأهب قصوى، مليء بالانفعالات، بالغضب، بالسخط.. مستعد للعراك لأي عراك.. مستعد للمشاحنات.. مستعد لإطلاق الأحكام على الناس.. يحمل سلاح الشتائم في لسانه ويطلقه بصفة عشوائية هنا وهناك..

وكأن المعارك الجوهرية النبيلة في أصلها، معارك القيم والمبادئ، غابت ولعلّها تلاشت، وطفت على السطح معارك مبتذلة، زادت الإنسان غربة في وطن عجيب غريب.. ربما صار الشأن العام بكل تجاذباته ومرارته وخيباته وتعثراته، وجعا نتقاسم آلامه جميعا، كأن هذا الوجع العام صار وجعا خاصا وخاصا جدا، شبحا خفيّا يطاردنا، يعكّر مزاجنا، يفقدنا لذّة الحياة والبقاء دون أن نعلم، أصبح الضيق والتوتر هالة التونسي اليوم، كأنّ هذا التونسي صار مجرّد الة محقونة بالتوتر.. في وضعية صدمة دائمة، البعض يبحث عن أفيون يحقن ألمه، والبعض بقي صامتا ينظر ولا يرى، يمشي وحياته توقفت..

وكما في تاريخ الشعوب، الأزمة تولّد الأزمة، وأيضا الانفراج يولّد الانفراج، ولا يكون الانفراج فرديا، وحتى إن كان كذلك يبقى منقوصا، فالإنفراج لا يكون إلا جماعيا بامتياز.. رأينا ذلك في الأيام القليلة التي تلت 14 جانفي 2011، رأينا مواطنا تونسيا جديدا يصلح ما أفسده العابثون في الشوارع، مواطنا يبتسم وإن تعالت وتيرة الرصاص.. باختصار مواطن يفهم معنى المواطنة.. قبل أن تتسارع الأحداث..

ونرى ملامح جديدة لـمواطن نجهل أصله وفصله وتكوينه.. ربما علينا أن نتوقف قليلا قبل أن تتعمق شروخ النزاعات وتجاويفها، ربما علينا أن نبحث عن القواسم المشتركة دون التطبيع مع العنف والفساد وأذيالهما طبعا، علينا أن نتحسس طريقا أو طرقا للنجاة.. لا بد من أمل جديد كل يوم.. وشغف يتجدد، بل يولد كل يوم.. وإلا علينا وعلى هذا الوطن الذي نتقاسمه السلام.. ما نحتاجه اليوم، هو بناء ثقافة السلم الاجتماعية، فهي أيضا ثقافة قبل أن تكون أخلاقا في كل مستويات فهمها المتعددة، لأننا جميعنا لسنا على صواب دائم، ولا على خطأ دائم، مفاهيمنا تتكلّس وتنغلق في كل لحظة لا نساير فيها العالم المتغيّر، وكلّما تكلّست انغلقت هذه المفاهيم إلا وانفجرت خطاباتنا في سباق نحو التطرّف والرجعية.. إلا وعدنا بوطننا خطوات بل أميال إلى الهمجية..