بعيدا عن أوهام اللعبة السياسية وقريبا من نبض التاريخ السياسي الذي سيسمّي الأشياء بمسمياتها يوما ما، لن يبقى من المعارك الجوفاء إلا المشاريع المجتمعية الوطنية التي تدفع تونس نحو التحديث وصون حياة مواطنيها وعزّتهم..
الوطن أكبر وأقدس من كل النصوص المطلقة وأعظم وأغلى من كل الأشخاص والأحزاب.. لأنهم يندثرون ويبقى الوطن.


تحتاج تونس اليوم مشروعا مجتمعيا يأخذ من كل شيء بطرف نحو التحديث، نحو ترسيخ قيم المواطنة، نحو توطين القيم الجمهورية وقيم الدولة المدنية.. نحتاج إلى مشروع مواطني يعلي قيمة العمل ومزيد من العمل..
أصبحت اليوم معاركنا، كل معاركنا معركة حياة أو موت، معارك قصيرة الأمد، الربح فيها نسبي والخسارة فيها أكبر لأنّ جراحها ندوب على صدر الوطن، ولا غير الوطن..


ربما علينا أن نختار معارك أكثر شرفا، معارك يبني فيها الرابح عزّة وطن، ويسجل اسمه التاريخ بأحرف من ذهب.. ربما معاركنا اليوم أصغر من حجم الوطن، فالمعارك التي تُفقدنا السلم الاجتماعية والتي تلهينا عن المشاريع المجتمعية محكومة بالفشل الذي يكلّلنا جميعا عند انتهاء المعركة حتى لو اعتقدنا أنّنا الرابح الأكبر، فالكرسي الذي نجلس عليه أيّا كان موقعه في ساحة المعركة، لا معنى له عند «الانتصار» لأن أقدامه مثبّتة في الوحل، وهل يمكن أن تقف الأقدام على الوحل؟ وهل يُنبت الوحل أشجارا مثمرة وغابات؟ الجراثيم والأوبئة وحدها التي تتكاثر وتزدهر في مستنقعات الوحل..


من يعتبر أن القيم ثانوية في رحلة بناء الدولة المدنية العصرية، ومن يعتبر أن القيم تتجزأ من يعتبر أن القيم تصلح لزمان دون غيره ومكان دون آخر.. سيُعرّفه التاريخ السياسي أنه وجوده وعدمه سيسحقهما الزمن كالبعوضة.. يُسحقون إلا بُناة الوطن ..


هذا الوطن لا يحتاج للألعاب السياسية، ولا يحتاج للمزايدين ولا للمسمسرين ولا للمجادلين، هذا الوطن لا يحتاج للخطابة ولا لشعارات رنانة ولا يحتاج لأبيات شعر.. قط يحتاج للبناة ولا غيرهم..


ليست لحياتنا قيمة في هذا الوطن إلا إذا وجدنا فيها مشروعا نناضل من أجله ولأجله، لا شخصا نصطفّ وراءه اصطفافا أعمى.. فالأحزاب والجماعات مهما كانت تسمياتها لا ولن تسمى الوطن.. فتونس ليست مجرد أشخاص ورقعة جغرافية ولكنها جزء لا يتجزأ من تاريخ الانسانية كلها.