لا نعلم أي معجم يستطيع أن يفسّر ردود أفعال العديد من التونسيين إبان العملية الإرهابية الفاشلة التي جدت في شارع الحبيب بورقيبة في الأيام القليلة الماضية. كأن تحاليل البعض تبحث عن الدراما والفانتازيا.. تبحث عن مزيد من الخيال والتعقيد لتفسير هذه الحادثة الإرهابية.. كثرت التحاليل والتأويلات العجائبية عن الأسباب والمسببات.

وكأنهم يسقطون تجاربهم الشخصية على هذه الحادثة الإرهابية!! نعم هكذا.. ربما العديد من التونسيين يميلون الي الاستخفاف والاستهتار بما لا يمكنهم فهمه.. مع أن الامر لا يتطلب تعقيدا في أكثر الأحيان.

لن نقف هنا على تحليل هذه الردود حالة بحالة، غير أن الجامع بينها يحيل على نتيجة واحدة .. شعبنا، أو لنقل العديد من أفراد هذا الشعب باختلافات مستوياتهم الثقافية والفكرية.. يتركون العقل لحساب العاطفة ولحساب الخيال والفانتازيا.. ما جعل العديد من الشعوب العربية خاصة تخفق في تشخيص أمراضها وعلاّتها، وبالتالي تدخل في غيبوبة نتيجة دواء لا يتناسب مع الداء.. وكأن هذا المجتمع يعلي العاطفة على حساب المنطق.. على حساب العقل.. وكأن العديد ممن يقدمون أنفسهم نخبة لهذا المجتمع لا يأبهون لهذا التنويم العاطفي الذي ينخر مجتمعنا كالسوس ويحفر حتى يتهاوى البنيان.

هذا التنويم العاطفي يستعملونه مرجعية للتحليل والنقاش والنقد والتفسير والتدقيق وحتى الاستنتاج.. ولهذا لا بدّ من تسليط الضوء على شخصية "المريض".. قبل تسليط الضوء على المرض نفسه.. ولسائل أن يتساءل متى نعيد العقل لمجتمع تربى على العاطفة؟ متى تتنفض الغبار عن خيالنا المقدّس؟ وعن "حقائقها" العتيقة؟ وعن شخصيات غدت مؤلهة؟ وعن تفاصيل وصغائر صارت هي جوهر الموضوع؟ متى نحفر وننبش ونتساءل عسى أن لا نتعصّب أكثر، عسى أن لا نتطرف بـ"حقائقنا" التي ندّعي، عسى أن نبني مفهوما جديدا لما نعقل ولما نؤمن به قوامه التسامح ونبذ التطّرف والتعصّب.

لا يمكن أن تُبنى أيّ حضارة إلا عندما نضع العاطفة في مكانها والعقل في مكانه، لا يمكن أن تبنى أي حضارة إلا عندما نعترف بالنقصان وبمحدودية الإنسان.. لا يمكن أن نشيّد حضارة تحترم إنسانية الإنسان دون أن نزيل الغبار عن كُتبنا العتيقة، و«حقائقنا» العتيقة، وأمراضنا العتيقة ونرجسيتنا العتيقة فلا عزاء إلا للعلم والعقل والتسامح والإيمان بالإنسان..