أفرغ بعض نواب الشعب في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 12 نوفمبر 2018 سموم أمراضهم وعللهم ضد المرأة في شخصي صابرين القوبنطيني وسعيدة قراش بوعي أو دونه وانخرطوا في دائرة اللعبة السياسية، وتناسوا بعض الأخلاقيات حتى أمام الكاميرا..

 أمراض وعلل تأتي في خانة العنف السياسي ضد المرأة، عنف جرّمه المجلس نفسه، وتجرأ عليه بعض من نوابه، الذين تحسبهم ديمقراطيون حداثيون وهم عين الرجعية والماوضية، يعطوننا دروسا في الأخلاق، وممارساتهم أبعد ما يكون عن الأخلاق..

لا تهمنا اللعبة السياسية أبدا بقدر ما يهمنا تعرض هؤلاء للحياتهن الخاصة، بكل قذارة وبكل ما تحمله الكلمات من معان سوقية، جعلتنا نتسأل أي درجة من الإنحطاط وصلنا؟

لا نتحدّث هنا فقط عن أن تلك الفصول التي تباهوا في صياغتها فخورين مزهوين بالمساواة بين الجنسين، بل نتحدث عن قيم دنيا تجمعنا مهما بلغت درجة  الإختلاف، ومهما بلغت الصراعات.. نتحدّث عن الخطوط الحمراء التي تجاوزها من تغيب عنهم الحجة ليجعلوا من حياة المرأة الخاصة مادة دسمة لأقوالهم التمييزية التحقيرية، هؤلاء الذين يتشدقون بالأفكار الحداثية والتنويرية ولم يتجاوزوا العقلية الذكورية المقيتة..

إن ما صدر عن هؤلاء لا يشرّع إلا للعنف ضد النساء في الفضاء العام وخاصة في الفضاء السياسي..ولا ننسى أن أغلب النساء التونسيات ممن اقتحمن الفضاء السياسي على اختلاف توجهاتهم الفكرية مورس عليهم أقذر أنواع العنف من بعض زملائهم السياسيين أيضا..

ما حدث تحت قبة المجلس الموقر ليس إلا صورة لعقلية مقيتة لم يتجاوزها حتى المتشدقون بالقانون ومراسم احترامه، لأنّ القانون لا قيمة له إذا كان المتشدقون به تغلغلت في ألسنتهم وفي عيونهم وفي عقولهم  تلك العقلية الذكورية المتعفنة المكبوتة.

 رمزية الأحداث أقوى من الأشخاص أنفسهم، رمزية تعكس صورة مجتمع مازال يرى المرأة «وعاء لفروجهم»، ويطلب منها «الحياء كرمز لانكسارها».. عوض أن ينادي بالحرية الفردية والمدنية في رحاب القيم الإنسانية الأزلية المطلقة..

لمحة عن كتاب ننصح حضرة النائب بقراءته

ذكرني أيضا ما حصل تحت قبة المجلس الموقر في كتاب «زعامة المرأة في الإسلام المبكّر بين الخطاب العالِم والخطاب الشعبي» للدكتورة ناجية الوريّمي، الذي حاول تفتيت ما تكلّس من فهم مغلوط يستنقص من صورة المرأة الزعيمة في الإسلام، من خلال تفكك العديد من المعطيات التاريخية لتبين مدى التشويه التي تعرضت له المرأة الزعيمة، فتجارب الزعامة النسائيّة مستفزّة للمؤرّخ، هكذا توصّف الباحثة المؤرخ الفقيه من ناحية علاقته بالمرأة الزعيمة، وتعتبر أنّ هذه الزعامة تهدد «نموذجه الأعلى ولشكل الانتظام الذي يراه للمجتمع» وتضيف:»لذلك سيحكم عليها بالفشل والسّخْف والبدعة، حتّى تكون عبرة لمن يقبل بزعامة المرأة.

واللافت للانتباه أنّ الاختلافات السائدة بين الفقهاء المؤرّخين بحكم تباين انتماءاتهم المذهبيّة، غابت في هذه النقطة بالذات وتحوّلت إلى «إجماع» بينهم على سلب المرأة كلّ فاعليّة في الشأن العامّ، مقابل الزجّ بها في مجرّد شأنهم الخاصّ: «الخدور». ولذلك وجدناهم يستعملون ذات الاستراتيجيا الخِطابيّة: التشويه عن طريق الوصم الجنسويّ، والتهميش عن طريق ضآلة المساحة النصّيّة المخصّصة لها، والتغييب عن طريق عدم إطلاق أسماء الزعامة عليها.

وفي الحقيقة لا تفعل هذه الاستراتيجيا الخطابيّة إلاّ أن تكشف عن وحدة آليّات التفكير في عقول الفقهاء المؤرّخين رغم الاختلاف الظاهر أو المعلن بينهم. إنّهم يسعون إلى إنتاج معرفة تاريخيّة معياريّة، بها يثبتون «صحّة» تصوّرهم للنظام الاجتماعي الأمثل. لكن يبدو أنّ هذه «المعياريّة» تسبّبت في خلق تباين بين صورة المرأة الزعيمة في خطابهم الرسميّ المكتوب، وصورتها في الخطاب الشعبيّ الشفويّ، هذا الخطاب المتنصّل من الرقابة ومن التوجيه الماقبليّ للدلالات»..

تركنا ألاف الألغام والأسلاك الشائكة للأجيال القادمة..

متى نندد جميعا بهذه الممارسات؟ متى نرتقي بخطاب مواطني تعلى فيه القيم الجمهورية الحداثية؟ قبل الصراعات السياسية وألعابها البهلوانية، لا نحتاج إلا  لحلم جماعي مشترك، حلم بمثابة عقد اجتماعي أخلاقي يرمّم إنسانيتنا في هذا الوطن.. حلم  يتحدث عن الانسان بدل جنسه، عن المواطن، عن الفرد.. عن كل الحقوق الفردية .. فعلا وممارسة.. أو سيلفظنا التاريخ وتستحي منّا الحضارة..ونصنّف كوباء فتك بوطنه لأنّنا كنّا عبئا على الإنسانية، تركنا ألاف الألغام والأسلاك الشائكة للأجيال القادمة..