في إطار التعامل بكل احترام مع عقول الناس وعدم التلاعب بعواطفهم مرة أوضح موقفي مرة أخرى من موضوع العدالة الانتقالية
أولا لا يمكن تناول موضوع التعويضات بمعزل عن موضوع العدالة الانتقالية .
ثانيا بعد الثورة كانت العدالة الانتقالية مطلبا ملحا من طرف المجتمع التونسي بكل عائلاته الفكرية و السياسية من اليسارية و الإسلامية و النقابية والقومية والاجتماعية (احداث الخبز و الحوض المنجمي و سليانة )و النسوية إلخ .
وكانت أول خطواته هي إصدار العفو التشريعي العام من طرف دولة مرتبكة و ضعيفة .
فشمل سجناء الاٍرهاب و لم يميز بين سجناء الرأي و السجناء السياسيين .
ثم صدر القانون الأساسي لإرساء العدالة الانتقالية في 24 ديسمبر 3 201 في ظروف سياسية مشحونة بخلافات و صراعات سياسية و ايديولوجية متشنجة كانت من أبرز محاورها محاولة تمرير مشروع العزل السياسي .
في حين أن هذا المسار يتطلب توافقا مجتمعيا حتى يحقق الهدف الأسمى وهو ضمان القطع مع انتهاكات حقوق الناس و المصالحة الشاملة .
و فعلا لم يكن قانون العدالة الانتقالية رغم كل الاستشارات التي حصلت حوله في سيرورة تونسية خصوصية تجعله محمولا من أغلب التونسيين و التونسيات مثلما حصل في عدة بلدان أخرى حيث اختار كل مجتمع مسار خاص به مع العلم أنه لا يمكن الحديث على نموذج مثالي بل مازالت بعض البلدان و رغم مرور عشرات السنين تعاني من اثار ماضيها و آلامها و تواصل محاكمة جلاديها و جبر ضرر ضحاياهم .
لهذا من المهم تناول هذا الموضوع بكل عقلانية و رصانة و عدم الانجرار وراء الحسابات السياسية الضيقة و السعي لبداية تقييم هذا المسار حتى نتمكن من طي صفحة الماضي و بناء مستقبل مشترك دون إقصاء و لا حقد .
و من هذا المنطلق أعتبر أن القانون لم يكن متلائما و متطلبات تجربتنا التي وإن كانت صعبة و إن خلفت آلاف من ضحايا إلا أن أرضية المصالحة كانت متوفرة .
لهذا كنت من المطالبين بإعادة النظر في بعض فصوله وتخليصه من بعض الهنات التي من شأنها عرقلة مسار المصالحة مثل
اعتبار تزوير الانتخابات انتهاكا لحقوق الانسان والحال أنها مسؤولية جماعية و ليست شخصية أو عدم اعتماد مبدأ اتصال القضاء و إمكانية محاكمة ثانية .هذا الإجراء الاستثنائي باعتباره اسثناء للقاعدة لا يمكن اعتماده إلا إذا اعتبرنا أن المحاكمة الثانية أكثر ضمانا لحقوق الأطراف من المحاكمة الاولى أي أنه تم حصل إصلاح حقيقي للقضاء بين المحاكمتين و أن الدوائر المختصة مستقلة تماما و توفر كل شروط المحاكمة العادلة .
و الحال أنه يستحيل اليوم و رغم مرور ثمانية سنوات التأكد من توفر هذا الشرط أي استقلالية القضاء التونسي و توفيره كل الضمانات لا فقط للضحايا بل أيضا للمتهمين .
لهذا و لعدة أسباب أخرى سياسية يطول شرحها فقد مسار العدالة الانتقالية الحزام المجتمعي بل تحول موضوع التجاذبات السياسية و أداة للصراعات السياسية .
بل تحول جزء من النخبة معارضا للمسار برمته و مذنبا للضحايا و مشرعا للقهر و الظلم و الحرمان من الحقوق الاساسية
وهذا أمر مفزع و متناقض مع تمسك التونسيين و التونسيات بحرية التعبير و رفضهم التام لأي محاكمة رأي حتى في حالة الثلب و نشر أخبار زائفة .
فكيف نعتبر نتمسك بالحرية و الديمقراطية و نبرر للاستبداد ؟و نهين الضحايا دون تمييز ؟؟
لهذا أرى من الضروري تفادي التسرع و السقوط في أفخاخ السياسية الانتخابية و الشروع في تقييم مسار العدالة الانتقالية
بداية من نشر قائمة كل المنتفعين بالتعويضات مرورا بحوار مجتمعي واسع يهيئ لقرار هاديء بعيدا على ضغوطات و مساوامات و تسويات سياسوية من لدن المدافعين عنه و المعارضين له حتى يكون مسارا حقوقيا مسنودا مجتمعياً يضمن مصالحة شاملة و فعلية تؤسس لمجتمع سليمي و سلمي و دولة حامية للحقوق و الحريات .