انتهى زمن المختار

يحدث أحيانا أن تجعلنا الحياة ننتظر شيئا ما كي يحدث، ويحدث أحيانا أن يطول الإنتظار ربما لأنّ الرؤية غير واضحة.. ننتظر اكتمال المشهد حتى نبني موقفا أو حتى نرسم خارطة طريق.. غير أن الانتظار قد يطول.. فإما أن نتحرك، حتى وإن كان المشهد ضبابيا، أو لا نتحرك .. فإما أن نرسم طريقا لنا أو أن يلتهمنا الإنتظار، الذي سيتحول دون شك إلى عجز يرتسم على وجوه متحجرة بملامح رخاميّة لا حراك فيها ولا حياة.. فتختفي الطرق وتتلاشى الحلول.

هنالك أسطورة قديمة تتناقلها الأجيال، تروي حكاية أناس متحجرين يرقدون في كهف مظلم ويبعثون للحياة مرّة كلّ عشرات السنين، يعيشون بين أهل القرية، ويموتون مرّة أخرى وتعود أرواحهم إلى أجسامهم المتحجّرة في ذلك الكهف، حدث أن بعثوا مرّة من مرقدهم العميق فثارت منهم امرأة وأصّرت على التمرّد على الوصايا التي نُقشت على الرخام القائلة بوجوب الصمت عند البعث الجديد، تمرّدت وقاومت الصمت بالفعل والحركة، وعند موعد رجوعهم إلى أجسامهم المتحجّرة.. تفتّت الرخام الذي يلفّ روحها وتكسّر صنمها شظية شظية وانطلقت روحها إلى عنان السماء وظلّ الصامتون، ممن رفضوا التمرّد يرقدون في ذلك الكهف في الظلام يتلذذون الصمت والعدم.
معارك عدة نخوضها أهمها أن وطننا ليس قاعة انتظار، المنظرون، المراقبون من بعيد، هم أنفسهم الصامتون.. لا يعرفون من اللغة غير «نعم» ومن المجاز غير «بأمر مولاي السلطان»، ومن الفتاوى غير «الطاعة لولي الأمر»،
الصمت ليس أبلغ من الكلام، لأنه لا يؤسس للفعل ولا يعطي لروح الإبداع فرصة للانبعاث الجديد، «غيلان» المسعدي لم يصمت فبنى وعاود البناء وأصرّ عليه رغم قوّة الآلهة وجبروتها، فكان غيلان وسدّه وتهاوى الجبروت واندثر.. فبنى السدّ وانهمر الغيث، وكان السدّ حصارا للجوع الفكري والخراب الإنساني والتطرّف الإيديولوجي..
إن كانت العامة ترتدي قناعا حجريا ولا تريد تحطيمه، فما الذي يلجم لسان المثقّف؟ من حقّ المثقّف أن يكون تابعا لسلطانه لكن ما الذي يجعله أريكة حجريّة في بلاط سيّده لا حراك ولا فعل ولا إرادة للتغيير؟ الصامت.. قاتل لحق الآخر في المعرفة.. وعقبة أمام التغيير وبناء الحضارة..
هذا الصامت يأبى تحمّل مسؤوليته في المواجهة، ويخشى ردّة فعل الطرف المقابل عندما يقع حراك تاريخي ما ثقافيا كان أو سياسيا أو اجتماعيا، يأبى المواجهة بعد أن صنع مجالا حيويا يمكن أن يؤثر للخروج من ظلمة السلطة والإيديولوجي والتطرّف إلى رسم فضاء المواجهة والتفكير العلمي الفاعل..
أدونيس واجهنا بـ«الثابت والمتحوّل»، هذا الثابت في أبعاده يروّعنا عن الفعل والرفض والتأسيس، ويجعلنا ندافع عن الوضع الجامد ونحاول إطالة عمره، ونبقى من خلاله نسبح في بحار دنّسها وحل التكرار والتقليد والأطلال المنسية.. نلتقي مع قول الشافعي «إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ».
التساؤل الأكثر مرارة وألما هنا: كيف يمكننا استعادة الثقافي إلى السياق الفاعل، والى مواجهة الأوهام التي لا تؤسس للحضارة والعلوم؟ وكيف يمكن للصامت أن يتحدّى وينزع نظّارته السوداء ليرى العالم من حوله بعيون أكثر اتساعا، وببوصلة تنفتح على كل الاتجاهات لكي نعيد بناء سدّ غيلان ومن ثمّة نعبر نحو مدينة أكثر نورا..
خلاصة القضية على المؤمن بضرورة التغيير أن يبدأ فورا بالفعل، انتهى زمن المختار الذي سينقذ الجميع..



أخبار متعلقة