لأنّنا فوق خشبة مسرح عجيب هو الحياة، ولأنّ الحياة يمكن أن تكون مجرد خيال متناه في القسوة، ربما لأنّ أعيننا أحيانا تكون كعيون الكاميرا، تلتقط قضاياها أو صورها من الزاوية التي تحلو لها.. ربما يكون الاستنتاج الوحيد الذي يمكن أن يتقدّم بنا اليوم وهنا، هو كيف نبني حضارة لا تراكم النصوص المغلقة، والشخصيات المركبة بقدر ما تفكّك الإرث المتراكم بملكة الفكر النقدي؟ حتى لا تغدو عقولنا آلة للقمع والتعصّب، تُلغي المَلَكة النقديّة، وتطلق العنان لكل تبعات التحجّر والتشدّد..
ولأننا دائما ما نبحث عن تلك الأرض التي نحلم بها.. تلك الأرض المنشودة التي تشبه جنة ما كل يتخيل مداها، لكننا عندما نجدها نحمل أرضنا معنا بكل بساطة.. ربما لأن "روهة" الدكتور عبد الحليم المسعودي لا تنسى.. تعيد ترتيب الأشياء، ولا تخرج إلا بمحاكمة ما، ولعلّ أول محاكمة هي محاكمة القارئ لنفسه..
نراقب تلك التفاصيل الصغيرة في الآخرين كما نبحث أحيانا عن كائنات مجهرية حولنا.. وتنسينا المراقبة من نحن وتلهينا عن تلك الكائنات فينا.. "الروهة" أو لعبة المرآة..من الحكمة أن نظل ننظر إلى أعيننا من خلالها حتى نرسم خارطة النجاة.. أو طريق الخلاص إلى النور.. لأنّ المسعودي أيضا حبسنا في عالم قبيح مرهق مخيف.. ودفعنا للخروج.. ولكن طريق الخروج صعب، ربما لأنّ الخلاص فردي..
"روهة " المسعودي تفكّك الإرث الثقافي العميق عقدة عقدة، بكل ما فيه من منعرجات طريق وحفر نتعثّر بها أحيانا ، هذه "الروهة" لا تفتح المجال لمسرحة الفكر المتعصّب فقط، الذي سهر على بلورته من بحث وتقصّ وتمحيص كانت ملامح شخصياته بل أفكارها وجنونها وأمانيها وعبثها،
وكأنّ شخصيات الروهة تؤمن باختيار ثقافي حضاري هالته الفكر النقديّ الحرّ، وأريجه قيم التعايش السلمي والتسامح والاعتراف بالآخر وبكل اختلافاته وسلاحه هي الديمقراطية ونبذ الاستبداد..
كأنّ شخصيات "الروهة" بمختلف تفاصيلها وخصوصياتها رمت تلك الحفرة في عقولنا ومخيلتنا فأصبحنا نتقاسم معها مخاوفها وفزعها وحتى جنونها في بعض الأحيان، كأنّنا حبسنا مع هذه الشخصيات فأصابنا رهاب الأعماق، تلك الأعماق المظلمة، فكانت ردّة فعل من يقرأ، أن يعيد ترتيب الشك والنقد والتساؤل لكي نحمي أنفسنا من التكلّس والضيق والتحجّر.. لكي نعيد ترتيب عقولنا حيث لا مكان لولادة «داعش» وأخواتها فينا نحن في حاجة ملحة إلى ترسانة معرفيّة نقديّة زمامها الفكر المستنير والنقد الدائم والبناء على أسس هذا الاختيار..

شخصيات "الروهة" تضعنا أما خيار واحد أحد، نحن مواطنون لا رعايا ، وعليه تدفعنا إلى «صناعة» عقول غير نمطية أفرادها فاعلون في واقعنا الاجتماعي والثقافي والحضاري بصفة أعم..
كأنّ هذه " الروهة " فسحة تجعلنا نحلم ببناء حضارة لا تتبنى الماضي دفعة واحدة ولا ترفضه دفعة واحدة، إنما تعالجه بمكلة الفكر النقدي، وباحترام العقول البشرية التي ارتقت بالحضارات الإنسانية، فهل يمكن أن نتطلع إلى المستقبل ونحن محكومون بعالم الأموات والخرافات والتعصّب والتفرقة بين بني الإنسان؟
كأنّ هذه "الروهة" تدفعنا أيضا بالسير في طريق العلم والمعرفة من خلال الإدمان على الحياة، والتطلّع إلى الخلاص، ولكل عقل خلاصه من أدرانه.. حتى نخرج شيئا فشيئا من صندوقنا الضيّق..
هكذا أقحمنا عبد الحليم المسعودي في مأزق حقيقي، نحن الآن في مفترق طرق، إما المكوث حيث التحجر والسواد والانغلاق، بالأحرى حيث الهزيمة، وإما حيث الركض نحو الحياة وثمن ذلك لن يكون سهلا.. لأنّ لعبة المرآة وما تفرضه من اعترافات وتحمل للألم والخلل ليس بالأمر الهيّن.