منشط في قناة تلفزية تعاني من صعوبات مالية يقترح على صاحب المؤسسة، للخروج من الأزمة الخانقة، تقديم برنامج ثقافي يتحدث فيه عن درويش وحنامينا وغارسيا ماركيز وزولا وعلي بن عياد وأحمد السنوسي وغيرهم، فيُصعق المسؤول ويستشيط غضبا متهما إياه بمحاولة مزيد إغراق القناة في الديون متسائلا :


كيف تقترح تقديم برنامج ثقافي لبلد تجد في كل شارع منه عشرات المقاهي، بلد شعبه لا يقرأ أكثر من كتاب في السنة، مُدنه خاوية من قاعات السينما ويُهان فيها المربّي، وميزانية وزارة ثقافتها لا تمثل 1ر0 بالمائة (73ر0 تحديدا) من ميزانية الدولة. ويضيف "الثقافة فين ونحن فين؟ "
ويقترح صاحب القناة في المقابل البحث عن أشخاص بائسين يعانون مشاكل نفسية واجتماعية حتى تساهم دموعهم في الرفع من عدد مشاهدي القناة وتستقطب المستشهرين في برنامج كثير المتابعة يحمل عنوان "صياح الديكة".
هذا المشهد المعبر جدا يغني عن كل تعليق على ما آل إليه حال المشهد الإعلامي اليوم، وهو موقف من ضمن مجموعة مواقف ناقدة للوضع في تونس اليوم، قدمها عدد من مساجين برج الرومي ببنزرت في عمل مسرحي يحمل عنوان "الدبو" وتابعه أفراد عائلات المساجين وجمهور كبير غصت به قاعة العرض بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون بالعاصمة ضمن فعاليات الدورة 20 لأيام قرطاج المسرحية.
الزمان تونس ما بعد الثورة والمكان "دبو" : مكان ضيق جدرانه وقد نخرتها الرطوبة، وهو آيل للسقوط ومن فيه من أشخاص مهددوون بالخروج من قبل البلدية. يستحضر أحدهم واقعة جدت قبل لجوئهم الى هذا الدبو ويصبح مصيرهم بيد شيخ ضرير لكنه هو المتحكم فيهم، مما يجعلهم شبه رهائن لديه.
الحادثة تتمثل في محاولتهم عبور البحر واجتياز الحدود خلسة، حلما بواقع أفضل، نتيجة ما يعانونه من بطالة وبؤس. وباجتماعهم في الدبو تتغير مساراتهم وتتقاطع لكن المآسي واحدة.
مسرحية "الدبو" تطرقت بشكل عام إلى واقع بلد مثقل بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فحملت إشارات إلى الثورة التونسية وما رافقها من تكالب على السلطة والكراسي ومن تردّ للمشهد الإعلامي بسبب قنوات تلفزية لا هدف لها سوى تسطيح عقول المشاهدين وإبعادهم عن المشاغل الحقيقية للمواطن، واللهث وراء نسب المشاهدة للحصول على عقود مستشهرين وذلك بمباركة من مؤسسات سبر الآراء.
"الدبو" عمل تولى إخراجه المسرحي الشاب محمد أمين الزواوي المشرف على مختبر المسرح داخل الوحدة السجنية ببرج الرومي، والذي أعرب في تصريح لـ"وات" عن سعادته وفخره بالعمل الجدي الذي أبداه المساجين على امتداد فترات الإعداد للعرض ولفت إلى أن البعض من الممثلين صاروا يرتجلون بعض المقاطع وهو ما حصل في عرض اليوم الذي أبكى جل الحاضرين حينما توجه أحد الممثلين بالحديث لوالدته طالبا الصفح والعفو لما سببه لها من تعب لها وهي تتنقل لزيارته من سجن إلى آخر.
وشدد على أهمية العمل الثقافي داخل السجون الذي انطلق مع تجربة سجن برج الرومي قبل أن يتوسع إلى مختلف الوحدات السجنية في بقية الجهات، مثنيا على المساعدة الكبيرة التي ما انفكت تقدمها إدارة السجون والإصلاح إيمانا بمساهمة الثقافة في الحد من ظاهرة العود ومن تفاقم الجريمة. وأعرب عن يقينة بأن تونس ستكون في السنوات القادمة أفضل حالا بكثير مما هي عليه اليوم نتيجة القيام ببرامج ومبادرات مماثلة بالسجون التونسية ترمي إلى إعادة تأهيل من زلت بهم القدم.
عرض "الدبو" انتهى بالتصفيق والهتاف الحار، وتميّز بتسليم شهادات شكر للمساهمين فيه بحضور عدد من المسؤولين وثلة من المبدعين من بينهم بالخصوص كمال التواتي وزينب فرحات اللذين رافقا مراحل إنجاز العمل، وقدم المسؤولون عن سجن برج الرومي لوحة فنية بريشة أحد السجناء هدية لدار الثقافة المغاربية ابن خلدون.
وشدد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح سفيان مزغيش، في تصريح إثر العرض على أن حضور عائلات المساجين، يندرج في إطار التزام الإدارة العامة للسجون والإصلاح بتطبيق ما جاء في الدستور حيث نصّ على أن الدولة "تراعي في تنفيذ العقوبات مصلحة الأسرة"، كما تتنزل هذه العروض ضمن برنامج شامل يرمي إلى الحرص على إعادة تأهيل المساجين وتكريس حقهم في الثقافة وحمايتهم من العود.
جدير بالتذكير أن مسرحية "الدبو" تتنافس على إحدى جوائز أيام قرطاج المسرحية مع 4 مسرحيات أخرى ستقام يوميا بدار الثقافة ابن خلدون (س11) حيث سيكون الموعد يوم غد الاربعاء مع مسرحية "داموس 34" لنزلاء السجن المدني بالهوارب من ولاية القيروان، ويوم الخميس مع مسرحية "ذئب الشمال" لمركز الأطفال الجانحين بسيدي الهاني من ولاية سوسة ويوم الجمعة 14 ديسمبر سيقدم المودعون بسجن قفصة مسرحية تحمل عنوان "الرجّة" قبل ان تختتم سلسلة هذه العروض بعمل يحمل عنوان "البرباشة" للمودعين بالسجن المدني بالمهدية وذلك صباح السبت 15 ديسمبر.